المامقاني
287
غاية الآمال ( ط . ق )
انما هو من جهة انّه في حال الفحص لا يجب عليه الرّد لاحتمال انّه له فلا وجه لردّه إلى مالكه الأوّل فهو في حال الفحص غير مأمور بالرّد بخلاف العالم فليس له حالة فحص يمهل قبل إنتهاءها نعم إذا أدى فحص الجاهل إلى العمل بالأصل أو إلى العلم بعدم كون المال له فهناك يكون مخاطبا بالرّد ومعاقبا على تركه وإذا لم يترتب على الجهل البسيط عقاب لعدم توجه الخطاب إليه لم يترتب على المركب أيضا عقاب بالطريق الأولى أو بحكم العقل من جهة اتحاد عنوانيهما عنده أقول لا يبعد أن يكون المراد بالجهل في كلامهم هو الجهل بالموضوع الغير الساري إليه من باب الجهل بالحكم كما لو علم أن الشراء من الغاصب موجب للضمان محرم فاشترى من أحد ما لا ثم شك في انّه مغصوب أم لا أو انه اشتراه منه وكان في الواقع مغصوبا ولم يلتفت إلى احتمال كونه مغصوبا أصلا بل هذا هو ( الظاهر ) وإذ قد عرفت ذلك نقول هل يحب ردّه فورا أم لا فالَّذي أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) هو انه عند القائلين بحرمة التصرّف في المقبوض بالبيع الفاسد لا خلاف في وجوبه لأن الإمساك أيضا ولو كان انا ما نوع من التصرّف المحرم فيجب تركه وهو معنى وجوب ردّه فورا ثمّ انه ذكر بعض من تأخر انه وقع الخلاف في طريق التخلص من الغصب من جهة انه عبارة عن الردّ والإيصال إلى المالك أو انه عبارة عن التخلية بينه وبين المال المغصوب وانه اختار في كتاب الغصب كونه عبارة عن إيصال المال إلى مالكه ولو كان موقوفا على مؤنة ولو كانت كثيرة بل قد ( يقال ) انه يجب عليه الإيصال ولو كان فيه تلف نفسه مع كون المال يسير اخماء لعدوانه ثمّ قال نقول هنا بمثل ما قلنا في باب الغصب فيجب عليه الرّد فيحرم عليه الإمساك الذي هو عدم الرّد ولكن لقائل أن يقول إن ذلك محل تأمل أوّلا من جهة الأصل فإنه يمكن ان ( يقال ) هناك بان اللَّازم انما هو ما كان أسرع في التخلص وقد يكون الاعلام والتخلية بينه وبينه أسرع في التخلَّص لكون قدرته على النقل أكمل من قدرة الغاصب مثلا أو يكون أصلح بحال المالك كما لو كان هو في بلد والمال في بلد أخر وغرضه بالمال هو التجارة وكان بلد المال أعود من بلده مضافا إلى الاحتياج إلى مؤنة النقل وكون الغاصب لم يغصب المال إلا في بلده وثانيا ان جريان جميع أحكام الغصب في المقبوض بالبيع الفاسد مما يطالب بالدليل عليه وان وقع في عبارة المحقق الأردبيلي ( رحمه الله ) تشبيهه بالمغصوب والحكم بعدم جواز تصرّفه وحفظه ووجوب ردّه إلى مالكه معجلا هذا وظاهر كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) حيث قيد نفى الخلاف في وجوب الفور بالرّد بقوله على تقدير عدم جواز التصرّف فيه هو عدم بناء المسئلة على كون طريق التخلَّص في الغصب هو الرّد إلى المالك والإيصال إليه بل بناؤه إيّاها على عدم جواز التصرّف ويتضح ذلك بملاحظة ما استدل به على ذلك قوله ويدل عليه ان الإمساك انا ما تصرّف في مال الغير بغير أذنه فلا يجوز هذا استدلال على وجوب الفور بالرّد بعد الفراغ عن حرمة التصرّف في المبيع بالبيع الفاسد أقول لا يخفى أن الإمساك يقع على وجهين أحدهما أن يكون بنيّة التخلية بين المال وبين مالكه بان لا ينتفع به ولا يستعمله أصلا بل يضعه في مكان مناسب له بنيّة تمكين المالك منه وثانيهما أن يكون بنيّة منعه وعدم تمكينه منه مع عدم استعماله والانتفاع به ولا ريب ان شيئا من الوجهين ليس تصرفا لغة واما بحسب العرف فالوجه الثاني تصرّف دون الأوّل فلا يدل حرمة التصرّف على حرمة الوجه للأوّل وهو ( قدس سره ) قد التفت إلى ذلك بعض الالتفات ولذلك قال ولو نوقش في كون الإمساك تصرفا كفى عموم قوله ( عليه السلام ) لا يحل مال امرء مسلم لأخيه إلا عن طيب نفسه حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به التي منها كونه في يده وأقول إن دلالة قوله ( عليه السلام ) لا يحلّ ( انتهى ) على تحريم الإمساك على الوجه الأوّل من كونه في يده بنيّة التخلية والتّمكين لا ( تخلو ) عن نظر بل منع فتأمل ثمّ ان بعض المعاصرين قال إنه قد يستدل عليها يعني الفورية بخبر اليد ثمّ قال انّ ذلك لعلَّه للتلازم بين الفورية وبين الضمان ولكنه محل منع كما في العارية المضمونة والمقبوض بالسوم وكثير من الموارد هذا كلامه قوله ولكن الَّذي يظهر من ( المبسوط ) عدم الإثم في قبضه ( انتهى ) هذا تصريح بما ظهر من التقييد بقوله على تقدير عدم جواز التصرّف فيه من وجود قول أخر في مقابله ضرورة ان القبض بعد العلم بالفساد من جملة التصرّفات وان قلنا بأن الإمساك بنيّة التخلية وتمكين المالك في صورة وقوع القبض في حالة جهله بالفساد ليس من قبيل التصرّف لوضوح الفرق بين الأمرين ثم إن بعض من تأخر وافق ( المصنف ) ( رحمه الله ) في ردّ هذا القول بأن الإذن انما صدر مقيدا بكونه في ضمن البيع فينتفي بانتفائه كما هو الشأن في كلّ مقيّد من الانتفاء بانتفاء قيده الا انه استدرك صورة وهي ما لو كان مقصود المالك بقاء المال عند من باعه منه في ( الظاهر ) ولم يكن مقصوده البيع حقيقة الا انه احتال لبقائه عنده ببيعه منه في ( الظاهر ) فإن الإذن ( حينئذ ) موجود وأنت خبير بان ذلك خروج عن الفرض لان الكلام انّما هو في قصد البيع حقيقة وأين مثل ما ذكره مما نحن فيه هذا وقد وجه بعض المعاصرين كلام الشيخ في صورة علمهما بالفساد حيث قال وأولى بالمنع دعوى ان ذلك بإذنه لأنه قد دفعه إليه باختياره لوضوح انّه انما ملكه إيّاه عوضا من ماله ولم يسلم له شرعا والمفروض عدم قصد التمليك بغير السّبب المخصوص وعدم قصد إباحة التصرّف بدون ملك وعدم قصد كونه أمانة عنده على جهة الوديعة ونحوها وعدم حصول القطع بالرضا بالإمساك أو بالتصرّف بل وعدم حصول الظنّ المعتبر شرعا بذلك كي لا يجب عليه الرّد فورا ويباح له الإمساك إلى أن يطالبه المالك به ولكن الاتصاف انه مع علمهما بالفساد لا ينكر حصول أحد هذه الأمور سيّما بالنّسبة إلى مجرّد الإمساك بل لو ردّه فورا إلى المالك لا تكره عليه بل لو علل ذلك بعدم رضاه بالإمساك لعدّه سفيها غير عارف بالخطابات ولعله لهذا قبل بعدم الإثم في إمساكه كما عن طاهر ( المبسوط ) معللا بأنه قد قبضه بإذن مالكه بل عن ( السرائر ) وغيرها التّصريح بذلك بل عنها ( أيضا ) نسبته إلى الأصحاب وحملها على صورة الجهل خاصة لنفى العقاب معها بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه انتهى ولا يخفى ما فيه من مواقع النظر اما أولا فلان حصول أحد الأمور المذكورة وان كان موجبا لإباحة الإمساك الا ان ذلك خروج عن الفرض لان الكلام انما هو في المبيع بالبيع الفاسد من حيث هو والا فعند حصول العوارض الخارجية المبيحة لا مجال لإنكار الإباحة وقد تقدم الإشارة إليه سابقا ( أيضا ) وامّا ثانيا فلان قوله لعدّه سفيها غير عارف بالخطابات ممّا لا أصل له وهو واضح إذ لا مقتضى للسّفه في هذا المقام